عبد الجبار الرفاعي

5

محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية

[ الجزء الأوّل ] المقدمة مثلما كان المنطق الصوري الأرسطي العلامة الفكرية المميزة للحضارة اليونانية ، فإن علم أصول الفقه هو أحد أبرز العلامات الفكرية للحضارة الاسلامية ، ذلك انّ علم الأصول إبداع إسلامي أصيل ، لم يستعره المسلمون من بيئات أخرى ، وإنما نشأ وتطور في عالمنا ، وأضحى بعد فترة وجيزة من ولادته بمثابة المنطق للتفكير الفقهي ، وربما أمكن الإفادة منه في العلوم الاسلامية ، ليغدو منطقا لها ، بل منطقا للحضارة الاسلامية ، لو تطور وتكامل بنسق منهجي موضوعي ، ولو لم تكتنف مساره اختلالات منهجية ، اصطبغ اثرها بنزعة عقلية تجريدية افتراضية ، مضافا إلى محاولة تعطيله وإعاقة نموه بعد إقفال باب الاجتهاد وحصر المذاهب بالمذاهب المعروفة . وفي الوقت الذي تحوّل فيه علم الأصول إلى نصوص ومستخلصات لأقوال المتقدمين من علماء المذاهب لا يسوغ تجاوزها ، كان هذا العلم ينمو ويتكامل في الحواضر العلمية لمدرسة أهل البيت عليهم السلام . وقد بلغ ذروة ازدهاره في المائة سنة الأخيرة منذ عصر الشيخ مرتضى الأنصاري إلى السيد الشهيد محمد باقر الصدر ، الذي أشاد أركان مدرسة أصولية أودعها ابداعات منهجية ، وغذّاها بمعطيات بحوثه في منطق الاستقراء وفلسفة الاحتمال . لقد أدرك الشهيد الصدر في وقت مبكر قصور الكتب المتعارفة في الدرس الأصولي ، ان من حيث انتماؤها لمراحل ماضية في تاريخ علم الأصول ، لأنها - حسب تعبيره - تمثل مراحل مختلفة من الفكر الأصولي ، فالمعالم تعبّر عن